وشملت الإجراءات الأخيرة عدداً من المناصب التي تعد من أكثر مفاصل الدولة تأثيراً في الملفات الأمنية والاقتصادية، إذ أفاد مصدر حكومي، الخميس، بتكليف باسم البدري برئاسة جهاز الأمن الوطني خلفاً لعبد الكريم البصري، فيما تم تكليف قاسم العبودي بمنصب مستشار الأمن القومي العراقي بدلاً من قاسم الأعرجي.
وفي الجانب الاقتصادي، كشفت مصادر حكومية مطلعة عن تكليف نزار ناصر بمنصب محافظ البنك المركزي العراقي خلفاً لعلي العلاق، إلى جانب تكليف عادل الياسري برئاسة هيئة الاستثمار الوطنية بدلاً من حيدر مكية.
كما شملت التغييرات تكليف حسن العكيلي مستشاراً لرئيس الوزراء لشؤون المنافذ الحدودية والجمارك خلفاً لسامي السوداني، في خطوة يرى مراقبون أنها ترتبط بأحد أكثر الملفات حساسية من الناحية الاقتصادية والمالية، نظراً لما تمثله المنافذ الحدودية من مصدر رئيسي للإيرادات غير النفطية، فضلاً عن ارتباطها بملفات مكافحة الفساد والتهريب وتنظيم التجارة.
ويرى متابعون للشأن السياسي العراقي أن اختيار مواقع بعينها لإجراء التغييرات لم يكن عشوائياً، إذ تركزت القرارات في مؤسسات ترتبط مباشرة بإدارة الأمن الوطني والملف المالي والاستثماري للدولة، وهي ملفات تحظى باهتمام داخلي وخارجي متزايد في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة النهرين، ياسين البكري، في تصريح صحفي إن “هذه الخطوات تحمل أكثر من رسالة في آن واحد”، مشيراً إلى أنها “تعكس رغبة رئيس الوزراء في إظهار قدرته على اتخاذ قرارات مؤثرة منذ بداية ولايته، إلى جانب اختبار ردود فعل القوى السياسية التي أسهمت في تشكيل الحكومة”.
وأضاف أن “الزيدي دخل منطقة كانت تعد حساسة بالنسبة لعدد من رؤساء الحكومات السابقين، من خلال المبادرة إلى إعادة ترتيب مواقع مؤثرة قبل اكتمال تشكيلته الوزارية، الأمر الذي قد يمنحه مساحة أوسع للمناورة السياسية خلال مفاوضات استكمال الكابينة الحكومية، ولا سيما في ما يتعلق بالحقائب التي ما تزال محل خلاف بين القوى السياسية”.
ويعتقد مراقبون أن التغييرات الأخيرة تحمل أيضاً بعداً يتعلق بإعادة تنشيط الأداء المؤسسي داخل بعض الأجهزة والهيئات، خصوصاً أن الحكومة تواجه تحديات متزايدة تتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين البيئة الاقتصادية، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، فضلاً عن متطلبات ضبط الملف الأمني في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة.
في المقابل، يشير منتقدون إلى أن بعض الأسماء الجديدة ليست بعيدة عن المشهد السياسي والإداري العراقي، وأن ما جرى قد لا يمثل تغييراً جذرياً بقدر ما هو إعادة توزيع للأدوار داخل المنظومة القائمة، معتبرين أن الحكم على النتائج سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة المسؤولين الجدد على إحداث تغيير ملموس في أداء المؤسسات التي سيتولون إدارتها.
ومن اللافت، بحسب متابعين، أن ردود الفعل السياسية جاءت حتى الآن هادئة نسبياً، ولا سيما من قوى الإطار التنسيقي التي دعمت وصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة، إذ لم تصدر اعتراضات علنية بارزة على القرارات رغم أنها طالت شخصيات شغلت مواقع مؤثرة لسنوات طويلة.
ويفسر محللون هذا الهدوء بعدة عوامل، من بينها وجود تفاهمات سياسية مسبقة بشأن بعض المناصب، أو رغبة القوى السياسية في منح الحكومة الجديدة فرصة للتحرك خلال مرحلتها الأولى، فضلاً عن انتظار نتائج التغييرات قبل اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه الحكومة العراقية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، ما يجعل التغييرات الأخيرة موضع متابعة دقيقة من الأوساط السياسية والاقتصادية، وسط ترقب لما إذا كانت ستتبعها حزمة أوسع من الإجراءات لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، أم أنها ستبقى ضمن إطار محدود يهدف إلى تعزيز قدرة الحكومة على إدارة ملفاتها الأكثر حساسية خلال المرحلة المقبلة.
من الأمن الوطني إلى البنك المركزي.. رسائل سياسية وراء قرارات تغيير المناصب
وجاءت هذه القرارات في وقت لا تزال فيه المفاوضات الخاصة باستكمال التشكيلة الحكومية مستمرة، الأمر الذي منحها أبعاداً سياسية إضافية، خصوصاً أن العرف السياسي خلال السنوات الماضية كان يدفع رؤساء الحكومات إلى تجنب إجراء تغييرات واسعة في المؤسسات السيادية قبل حسم ملف الوزارات والمناصب العليا بشكل كامل، تفادياً لأي صدام مع القوى السياسية الداعمة للحكومة.